صفي الرحمان مباركفوري

57

الرحيق المختوم

ولنستمع إلى عائشة الصديقة رضي اللّه تعالى عنها تروي لنا قصة هذه الوقعة التي كانت شعلة من نور اللاهوت ، أخذت تفتح دياجير ظلمات الكفر والضلال ، حتى غيرت مجرى الحياة ، وعدلت خط التاريخ . قالت عائشة رضي اللّه عنها : أول ما بدئ به رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم ، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء ، وكان يخلو بغار حراء ، فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ، ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها ، حتى جاءه الحق وهو في غار حراء ، فجاءه الملك فقال : اقرأ : فقلت : ما أنا بقارئ ، قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ ، فأخذني فغطني الثالثة ، ثم أرسلني فقال : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ . خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ . اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ « 1 » فرجع بها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يرجف فؤاده ، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة : مالي ، وأخبرها الخبر ، لقد خشيت على نفسي ، فقالت خديجة : كلا ، واللّه ما يخزيك اللّه أبدا ، إنك لتصل الرحم ، وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق ، فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة - وكان امرأ تنصر في الجاهلية ، وكان يكتب الكتاب العبراني ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء اللّه أن يكتب ، وكان شيخا كبيرا قد عمي - فقالت له خديجة : يا ابن عم ! اسمع من ابن أخيك ، فقال له ورقة : يا ابن أخي ما ذا ترى ؟ فأخبره رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خبر ما رأى ، فقال له ورقة : هذا الناموس الذي نزله اللّه على موسى ، يا ليتني فيها جذعا ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك فقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أو مخرجي هم ؟ قال : نعم ، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي ، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ، ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي « 2 » . وروى الطبري وابن هشام ما يفيد أنه خرج من غار حراء بعد ما فوجئ بالوحي ثم رجع وأتم جواره ، وبعد ذلك رجع إلى مكة ، ورواية الطبري تلقي ضوءا على سبب خروجه وهاك نصها :

--> ( 1 ) كان نزول الآيات إلى قوله تعالى : عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ . ( 2 ) صحيح البخاري 1 / 2 ، 3 ، وقد أخرجه البخاري مع اختلاف يسير في اللفظ في كتابي التفسير وتعبير الرؤيا .